نذير حمدان
101
حكمة القرآن والحضارة
حكمة اللّه وصفات أخرى مشابهة تقدّم أن الصّفات الإلهية الكثيرة تستوعب دلالات وظلالا من الحكمة الإلهية ، وبالعكس فإن الحكمة الإلهية لا تتحقق على الوجه الأكمل المطلق إلا مع أسمائه وصفاته الحسنى ومن ذلك : الحقّ : فالحكمة حق وخير ، ولا تكون الحكمة إلا بالحق وفي الحق ، ومن ناحية ثانية ، فاللّه هو الحق ، ونسق خلقه حق ، ووزنه الأشياء حق ، وصلة بعضها ببعض بالحكمة حقّ ، وجمالية إحساساتها بالعقل والعاطفة والانفعال حقّ . فلا يكون الحق حقا إلا بالحكمة مثل ما أن الحكمة لا تكون حكمة إلّا بالحقّ ، إذ متى يحمل الباطل والفوضى والعبثية والقبح الحكمة والتقدير ؟ إن ربط السماوات والأرض بالحق خلقا وتزيينا وانتظاما أخذت أوسع الموضوعات القرآنية وأكثر الآيات والسور . الربّ : فالحكمة والربوبية متلازمتان لما في الرب من الرعاية والتربية ، وفي الأصل فإن غلبة اقتران ( الألوهية ) بالحكمة ، وإطلاقها كثيرا اتخذت ضمائر الخطاب مثلا : أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ( البقرة 32 ، 129 ) وضمائر الغيبة مثلا : وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( الأنعام 18 ، 73 ) وغيرها . وإن ( ربوبية ) اللّه أخذت مكانها في عدد من آيات الحكمة باعتبارها فعلا مستمرا يقتضي وضع الأمور في موضعها أبدا ، كما تقتضي الحكمة الإلهية في التنشئة والتشريع والتوجيه والتربية ، فالرّبّ من أغزر المواد القرآنية وباتصاله بالحكمة يلهم أن ربوبية اللّه حكيمة لا تصدر إلا عن تدبير وعدل ، وليست تسلطا وإعناتا وإجبارا ، فهو بصراحة يعقوب عليه السلام بنعم النبوة على يوسف ( يوسف 6 ) وبصراحة يوسف عليه السلام أيضا من بعد أن نزغ الشيطان بينه وبين إخوته ( يوسف 100 ) ودعاء إبراهيم لأبيه واستغفاره له ( الممتحنة 5 ) ، ومن وحي اللّه بالحكمة للرسول عليه السلام ( الإسراء 39 ) ، ويوم الحشر في خصومة التابعين والمتبوعين ( الأنعام 128 ) . . . وبالنسبة ( للربيين ) فهم المؤمنون المخلصون للربّ الملتزمون بأقصى إمكاناتهم بتعاليمه ، المحبّون له ، المدافعون الصامدون والمضحون ، المستبسلون في سبيل مقدساته وحرماته ( آل عمران 146 ) . وبالنسبة ( للربانيّ ) الصفة المشتركة بين الأنبياء وأصفيائهم والسائرين على